المقريزي
262
رسائل المقريزي
« الاستثناء في الإيمان » : ونشأ عن هذه المسألة مسألة أخرى عظم فيها الخلاف من الفريقين ، وأطلق بعض مخالفى الأشعرية لسانه من أجل هذه المسألة بما لا يحمل وهي : هل يقال : أنا مؤمن إن شاء الله أو لا ؟ فذهب أكثر أصحابنا الأشاعرة إلى أنه يجوز إطلاق الإنسان قوله : أنا مؤمن إن شاء الله ، لا للشك ، بل لأن مذهبهم العبرة بحالة الموت ، لا الإيمان الموجود في الحال ولا للكفر الموجود في الحال ، بل ذلك الحال مشتبه عليهم ، وإذا لم يعلموا بها لم يعلموا ما هم عليه في الحال لسقوط ما هو الموجود للحال ، وتذكر - رحمك الله - هنا حال سحرة فرعون وحال أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم في أول أمرهم وما آلت إليه أحوالهم ، يفدك هنا فائدة جليلة ، وقد أشار إلى ذلك بعض أهل العرفان بقوله : « وكم لله من قوم هم في المعاصي والمعاصي لا تضرهم » . « رفض الحنفية للاستثناء » : وخطأ الحنفية من استثنى في إيمانه وقالوا : قد شهد الله لمن آمن بالله ورسوله بقوله : آمَنَ الرَّسُولُ . . . « 1 » الآية وخرج بقطع القول للذين قالوا : رَبُّنَا اللَّهُ * « 2 » ولم يأمرهم بالاستثناء ، وكذلك قال تعالى : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ . . . « 3 » فأمر تعالى بذلك من غير استثناء ، وقال تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ . . . إلى قوله : وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ « 4 » فجعل تعالى قول القائل : إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أحسن قول . « كلام السلف في الاستثناء » : وقال النووي « 5 » : واختلف العلماء من السلف وغيرهم في إطلاق الإنسان قوله : أنا مؤمن . فقالت طائفة : لا يقول : أنا مؤمن مقصرا عليه ، بل يقول : أنا مؤمن إن شاء الله ، وحكى هذا المذهب بعض أصحابنا عن أكثر أصحابنا المتكلمين ،
--> ( 1 ) يقصد قوله في سورة البقرة : آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ( البقرة : 285 ) . ( 2 ) فصلت : 30 . ( 3 ) البقرة : 136 . ( 4 ) فصلت : 33 . ( 5 ) انظر كلام النووي الذي ذكره عنه المصنف في شرح مسلم ( 3 / 149 ، 150 ) .